محمد بن جرير الطبري
58
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
كأيام أهل الدنيا التي يتعارفونها بينهم ، وانما قال الله عز وجل في كتابه : « الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ * » ، فلم يعلمنا ان ذلك كما ذكرت ، بل أخبرنا انه خلق ذلك في سته أيام ، والأيام المعروفة عند المخاطبين بهذه المخاطبة هي أيامهم التي أول اليوم منها طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، ومن قولك : ان خطاب الله عباده بما خاطبهم به في تنزيله انما هو موجه إلى الأشهر والأغلب عليه من معانيه ، وقد وجهت خبر الله في كتابه عن خلقه السماوات والأرض وما بينهما في سته أيام إلى غير المعروف من معاني الأيام ، وامر الله عز وجل إذا أراد شيئا ان يكونه انفذ وامضى من أن يوصف بأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في سته أيام ، مقدارهن سته آلاف عام من أعوام الدنيا ، وانما امره إذا أراد شيئا ان يقول له : كن فيكون ، وذلك كما قال ربنا تبارك وتعالى : « وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ » ؟ قيل له : قد قلنا فيما تقدم من كتابنا هذا انا انما نعتمد في معظم ما نرسمه في كتابنا هذا على الآثار والاخبار عن نبينا ص وعن السلف الصالحين قبلنا دون الاستخراج بالعقول والفكر ، إذ أكثره خبر عما مضى من الأمور ، وعما هو كائن من الاحداث ، وذلك غير مدرك علمه بالاستنباط الاستخراج بالعقول : فان قال : فهل من حجه على صحه ذلك من جهة الخبر ؟ قيل : ذلك ما لا نعلم قائلا من أئمة الدين قال خلافه . فان قال : فهل من رواية عن أحد منهم بذلك ؟ قيل : علم ذلك عند أهل العلم من السلف كان اشهر من أن يحتاج فيه إلى رواية منسوبة إلى شخص منهم بعينه ، وقد روى ذلك عن جماعه منهم مسمين بأعيانهم